ابن أبي أصيبعة
354
عيون الأنباء في طبقات الأطباء
حدثهم أنه قال يقولون إن الشام مليح ودمشق طيبة وأنا قد عزمت أن أبصرها إلا أنني أعمل من حيث العلم والهندسة شيئا أكون إذا سافرت إليها يكون بسهولة ولا أجد كلفة قالوا فقلنا له يا سيدنا كيف تعمل فقال أما تعلمون أن الشام منخفض عن أقليم بغداد وأنه مستقل عنه وذلك مذكور في علم الهيئة وارتفاع المواضع بعضها على بعض فقلنا نعم يا سيدنا فقال استعمل عجلا من الخشب ببكر كبار ويكون فوقهم دفوف مبسوطة مسمرة واجعل فوقهم جميع ما احتاج إليه وإذا أطلقنا العجل تروح بالبكر بسرعة في الانحدار ولا نزال كذلك إلى أن نصل إلى دمشق بأهون سعي قالوا فتعجبنا من غفلته وجهله ثم قال والله ما تروحون حتى أضيفكم وتأكلون عندي طعاما وصاح بالفراش فأحضر سفرة فاخرة ومد عليها رقاقا رفيعا أبيض لا يكون شيء أحسن منه كأنه النصافي البغدادية وهنابا فيه خل وهندبا منقاة جعلها حواليه ثم قال بسم الله كلوا قالوا فأكلنا شيئا يسيرا إذ هو على خلاف عادتنا في الأكل ثم رفع يديه وقال يا غلام هات الطست فاحضر طستا مفضضا وقطعة صابون رقي كبيرة وسكب عليه الماء وهو يغسل يديه فأرغى الصابون ثم مسح به فمه ووجهه ولحيته حتى بقيت عيناه ووجهه ملآن من ذلك الصابون وهو أبيض ونظر إلينا قالوا وكان منا فلان لم يتمالك أن ضحك وزاد عليه وقام فخرج من عنده فقال ما لهذا فقلنا له يا سيدنا هذا فيه خفة عقل وهذه عادته فقال لو أقام عندنا داويناه فتعجبنا منه ثم ودعناه وانصرفنا ونحن نسأل الله العافية مما كان فيه من الجهل وحدث بعض العراقيين إن أمين الدولة مات لصديق له ولد وكان ذا أدب وعلم ولم يعزه أمين الدولة فلما اجتمع به بعد ذلك عتب عليه إذ لم يعزه عن ولده للمودة التي بينهما فقال أمين الدولة لا تلمني في هذا فوالله أنا أحق بالتعزية منك إذ مات ولدك وبقي مثل ولدي ووجدت كلاما لأمين الدولة في ضمن رسالة كتبها إلى ولده وكان يعرف برضي الدولة أبي نصر قال والتفت بذهنك عن هذه الترهات إلى تحصيل مفهوم تتميز به وخذ نفسك من الطريقة بما كررت تنبيهك عليه وإرشادك إليه واغتنم الإمكان واعرف قيمته وتشاغل بشكر الله تعالى عليه وفز بحظ نفيس من العلم تثق من نفسك بأن عقلته وملكته لاقرأته ورويته فإن بقية الحظوظ تتبع هذا الحظ المذكور وتلزم صاحبه ومن طلبها من دونه فأما أن لا يجدها وأما إن لا يعتمد عليها إذا وجدها ولا يثق بدوامها وأعوذ بالله أن ترضى لنفسك إلا بما يليق بمثلك أن يتسامى إليه بعلو همته وشدة أنفته وغيرته على نفسه ومما قد كررت عليك الوصاة به أن لا تحرص على أن تقول شيئا لا يكون مهذبا في معناه ولفظه ويتعين عليك إيراده فأما معظم حرصك فتصرفه إلى أن تسمع ما تستفيده لا ما يلهيك ويلذ للإغمار وأهل الجهالة نزهك الله